ابن عطية الأندلسي
454
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
قال الفقيه الإمام أبو محمد : ولما كانت الأحبار يظن بهم العلم وجودة النظر والاطلاع على الكتاب القديم ، طمعوا أن تنخدع العرب بهذه النزعة ففعلوا ذلك ، جاءوا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم بكرة ، فقالوا : يا محمد أنت هو الموصوف في كتابنا ، ولكن أمهلنا إلى العشي حتى ننظر في أمرنا ، ثم رجعوا بالعشي ، فقالوا : قد نظرنا ولست به وَجْهَ على هذا التأويل منصوب بقوله آمِنُوا والمعنى أظهروا الإيمان في وَجْهَ النَّهارِ ، والضمير في قوله آخِرَهُ عائد على النَّهارِ ، وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهم : نزلت الآية ، لأن اليهود ذهبت إلى المكر بالمؤمنين ، فصلوا مع النبي صلى اللّه عليه وسلم صلاة الصبح ، ثم رجعوا آخر النهار ، فصلوا صلاتهم ليرى الناس أنهم بدت لهم منه ضلالة ، بعد أن كانوا اتبعوه . قال الفقيه الإمام : وهذا القول قريب من القول الأول ، وقال جماعة من المفسرين : نزلت هذه الآية في أمر القبلة ، وذلك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صلى صلاة الصبح إلى الشام ، كما كان يصلي ، ثم حولت القبلة ، فصلى الظهر ، وقيل العصر إلى مكة ، فقالت الأحبار لتبّاعهم وللعرب : آمنوا بالذي أنزل في أول النهار واكفروا بهذه القبلة الأخيرة . قال الفقيه الإمام : والعامل في قوله وَجْهَ النَّهارِ على هذا التأويل قوله : أُنْزِلَ والضمير في قوله : آخِرَهُ يحتمل أن يعود على النَّهارِ أو يعود على « الذي أنزل » ، و يَرْجِعُونَ في هذا التأويل ، معناه عن مكة إلى قبلتنا التي هي الشام كذلك قال قائل هذا التأويل ، و وَجْهَ النَّهارِ أوله الذي يواجه منه ، تشبيها بوجه الإنسان ، وكذلك تقول : صدر النهار وغرة العام والشهر ، ومنه قول النبي عليه السلام أقتلته في غرة الإسلام ؟ ومن هذا قول الربيع بن زياد العبسي : [ الكامل ] من كان مسرورا بمقتل مالك * فليأت نسوتنا بوجه نهار يجد النّساء حواسرا يندبنه * قد قمن قبل تبلّج الأسحار يقول هذا في مالك بن زهير بن جذيمة العبسي وكانوا قد أخذوا بثأره ، وكان القتيل عندهم لا يناح عليه ولا يندب إلا بعد أخذ ثأره ، فالمعنى من سره مصابنا فيه فلينظر إلى ما يدله على أنّا قد أدركنا ثأره ، فيكمد لذلك ويغتم ، ومن استعارة الوجه قولهم : فعلت كذا على وجه الدهر ، أي في القديم . وذكر اللّه تعالى عن هذه الطائفة من أهل الكتاب ، أنهم قالوا : وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ولا خلاف بين أهل التأويل أن هذا القول هو من كلام الطائفة ، واختلف الناس في قوله تعالى : أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ ، فقال مجاهد وغيره من أهل التأويل : الكلام كله من قول الطائفة لأتباعهم ، وقوله تعالى : قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ اعتراض بين الكلامين . قال القاضي : والكلام على هذا التأويل يحتمل معاني : أحدها : ولا تصدقوا تصديقا صحيحا وتؤمنوا إلا لمن جاء بمثل دينكم كراهة أو مخافة أو حذارا أن يؤتى أحد من النبوة والكرامة مثل ما أوتيتم ، وحذرا أن يحاجوكم بتصديقكم إياهم عند ربكم إذا لم تستمروا عليه ، وهذا القول على هذا المعنى ثمرة الحسد والكفر ، مع المعرفة بصحة نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ويحتمل أن يكون التقدير ، أن لا يؤتى فحذفت - لا - لدلالة الكلام ، ويحتمل الكلام أن يكون معناه : ولا تصدقوا وتؤمنوا بأن يؤتى أحد مثل ما